Aboud

open this link:
THE PLIGHT OF RELIGIOUS MINORITIES:
CAN RELIGIOUS PLURALISM SURVIVE?
http://boss.streamos.com/real/international/56_af063006.smi
 
ترجمة مقال الأب بيير مدبييل عن قرية عابود

ذكر كنائس عابود في التاريخ

أول ذكر لبلدة عابود قبل مجيء السيد المسيح، وجده الأب (مليك) MILIK ، في مخطوطات المغارة الخامسة في قمران. وهي من الممتلكات اليهودية الواقعة بين سوريا القديمة والنقب وذلك لأنها كانت تقع بالقرب من “الصريدة” التابعة ليربعام في ذلك الوقت (راجع ملوك الأول 26:11 )، ووادي الصريدة يقع على بعد أربعة كيلومترات من عابود. وأصبحت عابود ذات محلية مسيحية – أي كان يقطنها سكان محليون مسيحيون – في العهد المسيحي، ونستطيع قول ذلك بسبب وجود عدد من الكنائس القديمة فيها، لأنه في الواقع فيها تسعة كنائس تعود لفترات مختلفة من الزمن، وآخر كنيسة وجدت فيها تعود للقرن الحادي عشر الميلادي. وهناك كنائس أخرى تعود إلى العصر الذهبي المسيحي أي للقرن الخامس والسادس للميلاد، هكذا كثرت الكنائس في عابود كما كثرت في مأدبا وجرش وأم جمال.

وذكرت عابود باسمها “عابود” في القرن الحادي عشر، في نهاية نسخة من إنجيل سرياني، وناسخ هذه النسخة يعرف نفسه فيها فيقول:

” انتهى نسخ هذا الإنجيل يوم الأربعاء من الأسبوع التاسع للعنصرة، أي في شهر أب، والتي نسخها الخاطئ الضعيف إلياس الكاهن، والذي أصله من عابود، ومن دير رئيس الرهبان موسى، في منطقة (الدوقة) duche في أنطاكيا، تمّ في سنة 1341 من أيام حكم الاسكندر اليونانيAlexandre le Grec “.

كما يعتقد (مليك) Milik، أن الكاهن إلياس ولد في عابود، لكنه تواجد في منطقة أنطاكية في ذلك الوقت. لربما كان قد هرب من الاضطهاد الذي حدث في فلسطين على زمن السلطان الحاكم سنة  (996 – 1020)، والذي دمّر كنيسة القيامة. لكن الكاهن إلياس عاد إلى عابود سنة 1030 وأسس دير رهبان وأسماه على اسم شفيعه (مار الياس)، لكن أثناء تواجده في أنطاكيا، كان مشغولاً في نسخ الكتب السريانية لمكتبته الرهبانية، وسنقدم بعض النصوص التي تشرح أكثر عن الكاهن وعن عابود.

” أقول أنا الكاهن إلياس رئيس الرهبان، والمسؤول عن دير مار إلياس المعروف باسم (كوكب)، أن الناس الذين قدّموا لنا: زيتون وخروب، و … هم أناس من عابود.”

 ” أقول أنا الأب إلياس الكاهن تلميذ الأب موسى، أني قد نسخت الإنجيل وكتب عيد القيامة المجيدة وكتب أخرى، لخدمة الكنيسة المقدسة، وباقي الكتب التي أحضرتها معي من أنطاكيا، هي لتكون خاصة لدير مار إلياس المعروف ب ( الكوكب ) والذي أسّس على يدي. هذا الإنجيل وهذه الكتب هي خاصة في خدمة كل من يدخل الدير.”

 الأب ألفرد عطية مُرسل لرعية اللاتين في عابود، استطاع أن يعثر على دير مار الياس سنة 1959 – نشير إلى أنه لم يتبقَ منه سوى الآثار- حيث سأل الشيوخ في البلدة، فاستنتج أن الدير الذي سمّي ب (الكوكب)، قد تحوّل إلى (خربة الشيخ إبراهيم)، والتي هي ليست ببعيدة عن الطريق، سوى قرابة كيلو ونصف الكيلو متر قبل الدخول إلى  البلدة. ولم يتبق منه سوى أسواراً مترامية بين الزيتون. وهناك تقليد يرتبط بمذبحة الرهبان الذين ذبحوا في الوادي الذي يمتد إلى الأسفل والذي يحمل اسم (وادي الخنق)، والخنقة تدل على الدير، حيث كانت رؤوسهم ترى على المرتفعات الصغيرة على جانب الطريق، (رأس القسيس).

 الكنائس القديمة في عابود

 تقل أهمية هذا المكان اليوم أمام أمكنة أخرى كمأدبا أم الكنائس المسيحية وجرش ذات التاريخ والحضارة المسيحية والرومانية العريقة. فهذا المكان قد حوى فيما مضى على تسعة كنائس. فعلى بعد حوالي (500) متر من مزار مار الياس في الكوكب نجد أثار للكنيسة على يسار الطريق والى الجنوب من القرية، نجد الكنيسة الثانية “أنستازيا” أو “القديس أنستازي”، التي ما زالت تفخر بجدرانها العالية والمترابطة والمكونة من حجارة كبيرة. وباتخاذنا الطريق شمالاً نجد كنيسة على اسم “المسيح” منبراً مسيحياً آخر. وتحت مبنى الكنيسة اللاتينية الحالية نجد الفسيفساء التي تعيد للوجدان ذكرى دير وكنيسة القديس سمعان. وقليلاً إلى أعلى التلة نجد أثار كنيسة في “دير مارثيودورس(تادرس)” حيث نستطيع أن نقرأ على لوحة حجرية كتب عليها باللغة اليونانية. وهي موضوعة اليوم على جدار أحد البيوت في عابود بشكل عكسي. وفي المخرج الشمالي نجد جدران “كنيسة مار عوبيديا” التي ما زالت جدرانها خير شاهد على الهجوم البربري.

 وعلى قمة التلة التي تبعد مسافة كيلو مترٍ واحدٍ عن القرية نجد أثار كنيسة أقيمت على اسم “القديسة بربارة”، والتي أعطت قمة التلة اسمها. لكن المقام الأكثر إمتاعاً، هو مقام “السيدة العذراء” الذي كان يدعى بمقام (ستي مريم)، واليوم هي الكنيسة الارثودوكسية التي ما زالت الصلوات التي تقام فيها تحي ماضي إيمانها، ومستمرة في صنع معجزاتها. أما جزؤها الجنوبي والملتصق مباشرة بها، يعود هذا الجزء إلى أصل الكنيسة وهو، تقريباً من القرن الخامس. وقمة الجناح الغربي الأول يحمل أيضاً لوحة حجرية 40×29 تقدم لنا كتابة باللغة الآرامية المسيحية أو الفلسطينية المتأخرة. وقد قسّم الأب ميليك العشرة أسطر المكتوبة إلى أجزاء للأهمية البالغة التي تحتوي عليها هذه الأسطر ولكن بسبب وجودها على حجر قديم وفي مكان منزوي جعل من قراءتها وتحليلها أمراً صعبا قبل أن يتم معالجتها معالجة دقيقة. وهي تشير إلى التاريخ الذي دشنت فيه هذه الكنيسة. ويعود تاريخها إلى سنوات قليلة بعد أن نسخ الكاهن إلياس – الذي أسس دير الكوكب- الإنجيل السرياني. والكتابة المنقوشة على هذا الحجر تقول: “في السنة ….. (ويشير هنا تاريخ غير تاريخنا…) ويساوي للسنة المائة الرابعة والخمسين لملك الملك بدوين، وبعناية أبينا القديس تيودوس البطريرك ورئيس الأساقفة، المنسنيور أبراهام والكاهن بطرس و….” .

 يعتقد ميليك أن السنة (450) للملك بدوين تشير إلى السنة الهجرية والتي تعادل السنة (1058) لدينا، أي من القرن الحادي عشر، وهو تاريخ تدشين هذه الكنيسة. فهذه الكتابة، ومخلفات الراهب إلياس وبقايا دير الكوكب والكنائس الأخرى، مثل دير أنستازيا ودير مار عوباديا، تجعلنا نتخيل، العودة الحقيقية للمسيحية ونهضتها في منطقة عابود من بعد ظلم وجور الحاكم (الحاكم بأمر الله).

 وعلى غرار الكاهن الياس، فإن الكثير من الرهبان – أصلهم من عابود – قد هاجروا بعيداً. وأحد هؤلاء الرهبان الذين يذكر لنا التاريخ اسمه هو : مفريج بن أبو الخير العابودي، وقد وصل إلى دير القديسة كاترينا في سيناء. وفي سنة (1104) نسخ إنجيلاً آخر باللغة الفلسطينية المسيحية. وفي القرن الثامن ظهر بالقرب من القاهرة ولداً آخر من عابود يدعى سرور بن الشماس عبد المسيح بن جورج بن خويك العابودي، وكان يشتري كتاب القداس القانوني بالطقس السرياني. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن خربة سرور تقع على جانب الطريق بالقرب من عابود. بعد هذه الفترة ودخولاً في العصور الوسطى لم يعد هنالك آثار أدبية، سوى بعض النصوص للسياح والأجانب – وكانوا كثيرين قياساً بتلك الحقبة الزمنية – الذين كانت عابود بالنسبة لهم تشكل طريقاً آمناً. طريق قد جعل من هذه القرية الصغيرة والمتواضعة أن تبقى في الظل بعيدة عن الشمس.

 تأسيس الرعية اللاتينية:

  لقد شهدت سنة (1887) أولى الخطوات لبعض المسيحيين من عابود للدخول في الكنيسة الكاثوليكية. عدّت عرائض والتماسات جعلت من البطريرك براكو أن يقبل في الكنيسة الكاثوليكية مجموعة مكونة من 71 شخصاً، من أبناء البلدة، وان يؤمن لهم كاهن لاتينياً وكان البطريرك براكو قد تخطى الكثير من الطلبات التي كانت وقد وردته من هنا وهناك لتأمين كهنة ليخدموا هذه الرعايا. وفي سنة 1910 عادت عشيرة الفواضلة المسيحية للمطالبة وأوفدت مرسلين إلى البطريركية، والأكثر من ذلك أن هؤلاء المرسلين قد رافقتهم جماعة من الإسلام مؤازرين لهم. وقد شدّد المسلمون على مطلبهم وعبروا عن حسن نية الفواضلة آخذين على عاتقهم قرار الفواضلة. وقد ذهبوا أبعد من ذلك حينما قدموا للبطريرك ضمان ألا وهو: “إن اخلفوا الفواضلة في قرارهم هذا فيما بعد، سنصبح نحن المسلمين مسيحيين لاتين…”.

وقد عبرت هذه الخطوة المدهشة عن عمق العلاقة التي ترتبط عشائر البلدة عابود. هذه العشائر التي كانت وستبقى دائماً متعارضة ومرتبطة فيما بينها بتعصب قديم لكنه بتجدد دائم. ولعبة الصراع هذه قد جعلت من عشيرة مسيحية أن ترتبط بعشيرة مسلمة ضد الطرف الآخر. والأكثر من ذلك أن القرى المجاورة لبيت ريما ودير غسانة الذين كانوا يعانون من تفرقة متأصلة، كانت لهم علاقات مسيحية جيدة معاكسة لواقعهم.

 وكان لهذه الأمور دوراً في الضغط على البطريرك ليطلب من الأب أنطون طنوس المرسل الفطن وذو الغيرة الرسولية والذي كان يخدم في جفنا أن يعتني بهؤلاء المسيحيين في عابود. أخذ بعض الوقت ليدرس نواياهم، واقتنع أخيراً وسجلهم ضمن مؤمنيه، سنة 1885، وفي سنة 1911 أرسل البطريرك كاهناً شاباً عمره 26سنة وهو الأب بشارة سعادة. وهو من مواليد الرملة، سنة 1885، سيم كاهناً سنة 1909، وكان مقيماً آنذاك في جفنا ومساعداً للأب طنوس. وقد تم استئجار غرفتين في القرية فاستغلهما الكاهن الشاب واحدة للمؤمنين والثانية ككنيسة. وقد قام مباشرة بكل ما أعطي من قوة الشباب للعمل على التربية الدينية للمؤمنين الذين لا يتجاوز عددهم 150 مؤمناً، هم الذين أعلنوا انضمامهم للكنيسة الكاثوليكية. وبنفس السنة 1911 تبع قدوم الكاهن مجيء راهبات الوردية. وتدريجياً أخذن أماكنهن للعمل بتفان خفي ، لكنه كان عملاً ثميناً للمرسلية.

 البناء الأول:

وكما هو عهدنا في كل المرسليات في ذلك الزمان، فلولا وجود دير خاص ومرتب للكاهن لما كتب لهذه المرسلية النجاح. فقد استطاع الأب بشارة وبسرعة قصوى أن يشتري أرضاً في شمال القرية، على الموقع القديم والأثري لدير سمعان. وباشر في تشييد بناء بسيط، مكون من غرفتين بسيطتين وديوان ومطبخ وغرفة صلاة “ككنيسة مصغرة“.

وكرد فعل ثائر وهائج على قدوم الكاهن الجديد، كثرت الشكاوي عليه لدى السلطات التركية، مما أدى إلى وصول رسول تركي يطلب منه وقف أعمال البناء. إلا أن الكاهن المرسل الذي كان مساعداً في الأردن، كان على دراية بمواطن الضعف في صفوف أعضاء السلطة التركية، وقد عرف الدواء للداء. فقد كان لثلاثة زجاجات من الويسكي الأثر الكبير والبالغ في نفس الوقت المرسل لغض الطرف والسماح بمواصلة البناء. فاستطاع بذلك أن يغلق عيونهم لمدة شهرين، استطاع من خلالها أن يكمل البناء. وعندما وصل البناء لنهايته، أصبح الكاهن والرعية والبناء في مأمن من المكايد التي كانت تنصب لهم، وتوقف نهي المسؤولين عن إكمال البناء.

 ولقد قاد الأب بشارة مسيرة بناء ديره ودير الراهبات القريب منه، بسرعة فائقة، مستغلين إياه كمدرسة للبنات. وقد رأى الأب بشارة أنه من الأفضل والمناسب أن يشيد الدير بجدار دائري ليثبت ملكيته على الأرض ويحمي الدير. لأنه وبدون الجدران الالتفافية تكون الملكية دائماً قابلة للضياع. فشيد الجدران لتحمي الممتلكات لمدة خمسين سنة قادمة. وفي قرية بعيدة كهذه، عرف الأب بشارة شتى أنواع الصعوبات في البناء، حيث التكاليف قد تخطت المبلغ المتوقع بكثير.

الحروبات وما تبعها:

لقد خلف الأب بشارة على إدارة شؤون الرعية من سنة 1913 – 1916 الأب “منصور جلاد”، الذي أصبح فيما بعد الأسقف المساعد لبطريركية القدس في الأردن. سيم كاهنا في سنة 1908، ثم عين مساعداً في الكرك ومسؤولاً عن الجماعة المسيحية في السماكية. وهو الذي ساعد في توطين هذه الجماعة المسيحية في السماكية 1909، التي كانت عبارة عن بقايا آثار بيزنطية في تلك الناحية. وأصبح فيما بعد، سنة1912، أول كاهن في هذه الرعية الجديدة. لكنه أُجبر على العودة إلى فلسطين سنة 1913بسبب دفاعه عن أبناء رعيته ضد تسلط وسيادة عشيرة المجالية المجاورة. فأرسله غبطة البطريرك كمّاسيه إلى عابود.

 بدأت الحرب الأولى سنة 1914. وقد وصل إلى الأب جلاد رجل يدعى “بالمدير” ،وهو عربي، وكان يفتخر بما ناله من مسؤولية، تتطلب منه أن يغلق جميع المدارس التي يقال عنها أجنبية. وكانت كلماته للأب جلاد كالتالي: “أنني اعرف بأن مدرستك ليست أجنبية، لكن عليك أن تعطيني المفاتيح فقط.” وهكذا فعل مع الراهبات. وكان يتأسف على هذا الاضطراب الذي أحدثه.  وبذلك كان قد وضع المفتاحين بجيبه وأكمل الواجب. وقد واصلت المدرستين عملها بالرغم من قسوة وتعاسة الحرب. وقد كان لها الاثر على أهل عابود حيث كان على الكثير أن يقوموا بأعمال ثانوية قاسية زيادة الى أعمالهم. ومما زاد الوضع شقاء موت الأب طنوس في عام 1916، مما دفع الأب جلاد أن ينتقل الى جفنا تاركاً عابود. ومن هناك جارت عليه الحرب وطردته مع جميع أفراد رعيته، في حزيران من سنة 1918.

وفي تلك الفترة أشرف على خدمة الرعية لمدة16سنة، كهنة موارنة، كالأب نعمة الله سعادة والأب نعمة جلاد. فقد استطاعوا أن يؤمنوا  وللأسف حضوراً متقطع، غير كاف لتطور رعية شابة كهذه. وحدث أيضاً في هذه الفترة بعض التراجع من قبل بعض الأشخاص الذين لم يكونوا قد تعمقوا في الكاثوليكية. وفي سنة 1932 وصل الأب زكريا الشوملي، الذي سيم كاهناً سنة 1920، ومنذ اللحظة الأولى لوصوله أخذ يعتني بالمدرسة التي كانت العمل الأساسي له، وقد بنى للمدرسة غرفتين فوق منزله.

 وقد خلف الأب كرادو دي دومينكو خلال فترة عدم الارتياح والفوضى التي سادت المنطقة من سنة 1938 – 1939 ومن ثم الأب يوسف نقولا لمدة شهرين في عام 1940.

 وكان للحرب العالمية الثانية بعض البصمات والتغييرات على رعيانا، حيث تم تعيين الأب شكري سرور من سنة 1940 – 1943،  ومن ثم الأب دومنيك فيليو من سنة 1943 – 1944، والأب موريتسيو ميرلو وهو كاهن لم يتجاوز الحادية والثلاثين ربيعاً من عمره ولم يكن يتحلى بالصحة الجيدة لأسباب في القلب وعلى أثره لازم الفراش في أيار 1946 . وذهب للعلاج في مستشفى بيت لحم ولم يكن لديه القوة الجسدية لمواجهة مثل هذا المرض الذي اشتد عليه وأنذره بالنهاية القريبة. لكنه واجهه بالقوة الروحية التي استمدها من وجود اخوته الكهنة من حوله ليسانده في محنته. وبهذا يكون الأب موريتسيو قد انتقل الى رحمة الله قبل أن يتجاوز الثالثة والثلاثين ربيعاً.

 عودة المهاجرين من يافا الى عابود:

وكن الأثار الأخرى التي لحقت في بلدة عابود جراء الحرب العالمية الثانية، هي عودة الكثير من العائلات من منطقة يافا الى عابود، بعد أن غارت الجيوش المختلفة على مدن الساحل واقتصادها. وساعد هذا ايضاً على العودة الى العمل الزراعي كبديل في ذلك الوقت على التجارة والحياة المدنية. فأسرع الأب باسكال ابوديا الى المبادرة في العمل الرعوي لاحتواء مثل هذه العدد الكبير في ظروف جديدة على البلدة. فقد قفز عدد أبناء الكنيسة من 190 في سنة 1947 الى 500 نسمة في سنة 1953. وتطلب هذا من الأب باسكال أن يزيد من قدر المدرسة توسعاً واستيعاباً لعدد أكبر من الطلاب، الى أن اصبحت أكثر المدارس شهرة في المنطقة إبان الانتداب وحتى الحكم الأردني. وفي سنة 1950 ضمت المدرسة 122 طالباً وشملت كل الدير. وفي مدرسة الراهبات كان هناك 54 طالبة. وقد كان للزيارة الرعوية الأولى التي قام بها البطريرك للبلدة في 9/7/1950 صداً كبيراً في المنطقة واحتفالاً عظيم في البلدة.

 بناء الكنيسة:

فلقد كانت هذه الزيارة الرعوية الأولى، وكان لها أهمية كبيرة حيث وضعت الاصبع على الوتر الصحيح وعلى الحاجة الماسة حتى من قبل البطريرك نفسه لوجود كنيسة كبيرة في هذه الرعية. فالكنيسة الحالية صغيرة وقد بنيت في عام 1912. لم تعد تفي بالغرض، لازدياد عدد المؤمنين في هذه الرعية، ولهجرة الأهالي من يافا وعودتهم الى عابود. فمعظم المصلين كانوا يبقون في خارج الكنيسة يوم الاحد لعدم توفر متسع لهم في الداخل. وكما كان يتداول بين البعض فيقولوا أن شجرة الخروب أصبحت مظلتهم وكنيستهم، حتى وصلت في كثير من الأحيان الى السخرية منهم ومناداتهم (برعية الخروب).

 فمن خلال فيض الخطابات التي وجب على البطريرك أن يسمعها في زيارته الأولى والتي نادت وطالبت ببناء كنيسة أكبر، تستحقها هذه الرعية الآخذة في التطور، ونظراً للظروف الصعبة التي كان يحس بها البطريرك، وجد أمامه صعوبة كبيرة للرد على هذه الطلبات الضرورية. إلا أن العناية الإلهية لا تنسى ما هي بحاجة إليه. ففي سنة 1952 إستكملت بلدية نابلس الإرسالية اللاتينية القديمة الموجودة في المدينة لتحويلها الى منتزه عام، وقدمت للبطريركية تعويضاً عن ذلك مبلغاً قيمته 15ألف دينار. وبفضل هذا المبلغ استطاع البطريرك أن يجيب على هذه الحاجة الضرورية وأن يبني بهذا المبلغ ثلاث مضال: مطرانية عمان، كنيسة عابود، وكنيسة شطنا (في شرق الاردن). وفي 23 تشرين الثاني من عام 1952 جاء الأسقف المساعد للبطريرك، المنسنيور منصور جلاد، والذي كان بدوره ثاني كاهن للرعية، ليبارك حجر الأساس لكنيسة المستقبل، بحضور جمع كبير من أبناء الرعية وبعض الكهنة وأبناء الرعايا المجاورة. وحضورهم جعلهم يتذكرون دائماً فرح قاد الأب أبوديا الاحتفال الذي حقق حلمه، حين تهللت القلوب بترنيمة طلبة القديسين.

 ولكن شيطان الانشقاق والانقسام ، لم يهدأ أبداً في هذه البلدة الصغيرة وأمام العمل الرعوي النشط، فقد عمل على أن يزرع الشقاق بين المسلمين في عشائرهم الأربعة والمسيحية في مختلف عائلاتها. إلا أن أعمال البناء وصلت الى نهايتها بواسطة المهندس مرار. وتأخر الافتتاح بعض الوقت. فالأب باسكال أبوديا كان قد استلم مكانه في مدينة شفاعمر في الجليل، وعين بدلاً منه الأب إبراهيم عياد.

لقد تباركت الكنيسة رسمياً من قبل البطريرك يوم الأحد الموافق 27/9/1954 في احتفال بهيج يصعب نسيانه من قبل أهالي البلدة. لأنه كان السبب في إعادة الوحدة لأهل البلد. ففرسان الكنائس المختلفة، لاتين، روم، وبروتستانت، وحتى من قبل فرسان الاسلام قد استقبلوا غبطة البطريرك في منطقة النبي صالح، بكل مظاهر الفرح والعيد الشعبي في عابود.

 وكان موكب المسيرة يسير على خط الدبكة، التي قادها شباب البلدة المتحمس وكذلك على أنغام الطبول، وزغاريد النساء وطلقات النار في الهواء تحية للبطريرك. وكما كان يوم الزيارة الأولى في 1950 كانت الكثير من الخطابات من قبل ممثلي الكنائس المختلفة وحتى الإسلام. وكانت الكنيسة بالشكل التالي 24م * 8م ، وجهها نحو الغرب، ملصقة في الواجهة الجنوبية للدير، وبذلك نكون قد وفرنا واجهة كاملة. بنيت من إسمنت وحجارة، لها ثلاثة جسور في وسط سقف الكنيسة وجلاجل جميلة تلبي الحاجة عند اكتظاظ المؤمنين في أيام الاحتفالات. ولها عدة نوافذ من الجهة الجنوبية تساعد على ادخال الانارة الجيدة والتهوية الجيدة في أيام الصيف الحارة. وفي واجهتها من الداخل صور جميلة وأصلية تمثّل امنا مريم أم الأوجاع شفيعة الكنيسة.

 وقد دعى الأب عياد غبطة البطريرك في 26/6/1955، ليترأس احتفال لاسم الله في شوارع المدينة منذ أن تأسست الرعية، وفي هذه المناسبة والفضل يعود الى العلاقة الجيدة مع المسؤولين، استطاع الأب عياد أن يحرر الكنيسة والدير من عبيء كبير لطالما عانتا منه في أيام الرياح الشديدة وأثناء العمل الا وهو بيادر البلدة التي كانت على مقربة كبيرة من ساحة الكنيسة، حيث كانت الرياح تحمل ما تستطيع من تلك البيادر لنقلها الى داخل الكنيسة أوالدير. وقد استطاع ايضاً أن يجعل من طريق الدير طريقاً جيدة معبدة بعد أن كانت طريقاً ترابية. وفي سنة 1956 دشن الاب عياد الكنيسة بجرسية جميلة ذات صوت رنان، فالاجراس من قبل كانت يدوية وصغيرة. وبنى أيضاً بين الكنيسة وسطح الدير حائطاً ارتفاعه سبعة امتار وفيه فتحات للأجراس التي جلبها من لبنان. وقد اصبح لمنظر الدير نوعا من الجمال مع هذه الجرسية والاجراس التي هندست من قبل دير اللطرون السابق Couvreur.

 واستمر الأب عياد في نشاطاته الرعوية. فنظم في سنة 1956 مركزاً بجانب الكنيسة لتوزيع الحليب على 450. وكانت المساعدات تأتي من قبل مكتب البعثة البابوية ومؤسسة الاونروا UNRWA . وألحق بجانب دير الراهبات بناءاً صغيراً استعمل كمستوصف للبلدة.

 وفي نهاية سنوات خدمته، استطاع الأب ابراهيم عياد أخيراً أن يتم الصلح بين عشيرتي البلدة المسيحيين حيث كانتا متضادتين منذ وقت طويل بسبب العداوة القديمة التي كانت دائماً في تجدد لاختلاف الظروف.

وكان للتغيرات السياسية في الاردن سنة 1957 أثراً على الرعية حيث عاد الأب عياد الى بيروت، وخلفه الأب الفرد عطية لمدة سنتين. وقد تابع العمل بنفس الغيرة الرعوية على الرعية. ولاحظ افتقار المسيحيين لوجود معصرة زيت تخصهم، فهي تعتبر من المقومات الأساسية لحياتهم. لأن الزيتون هوالمصدر الوحيد لرزقهم. وبكثير من الجهد استطاع أن يوحد المسيحيين على مبدأ واحد هو المساهمة في بناء معصرة أمام الدير. فساعد وجود المعصرة على نوع من الاستقلالية بسبب احتكار البعض لها. ولكن في مثل بلدة كهذه سرعان ما كانت تنقسم على ذاتها، لم يستطع الأب الفرد ولا بأي طريقة ووسيلة كانت في توحيد الرأي حول ضخ الماء من العين للبلدة. فنبع الماء كان على بعد 2كم الى أسفل البلدة. فبقي الجميع يحصلون على الماء بواسطة نقلها على الدواب أو حفر آبار لمياه الري أوالبحث عن الماء من مسافة بعيدة. إلى أن جاء الأب يوسف نعمات الذي استطاع بدوره أن يؤمن شبكة مياه جديدة لضخ المياه للبلدة.

 وفي سنة 1959 استلم الرعية الأب يعقوب سعادة، وهو الذي قاد عرس الرعية في 3/7/1961 عندما سيم الأب أنطون عودة، أحد أبناء هذه البلدة كاهناً في 29/6/1961 في القدس. لقد جمع هذا الاحتفال أبناء هذه البلدة وكأنه يومها العظيم، وقد أعطي لهذا اليوم معنى آخر ألا وهو: أنه الكاهن الكاثوليكي الأول منذ قرون عدة. فكان هنالك العديد من الاخوة الكهنة وطلاب الاكليريكية الذين جاءوا لكي يفرحوا مع هذا الكاهن الشاب ومع الرعية.

وقد عبر الأب بشارة سعادة الذي افتتح هذه الرعية في عام 1911 وهو عم الأب يعقوب سعادة الكاهن الحالي للرعية، عن فرحته وفرحة أبن أخيه وشعورهما بالفخر لهذا الحدث.

مستقبل الرعية:

لم يكن المصير قد بدا واضحاً بعد لهذه الرعية الجديدة، كما هو لباقي الأماكن والرعايا الأخرى. فالهجرة بالنسبة لرعية عابود كانت عبارة عن نزيف مستمر. فقبل حرب عام 1948 أفرغت البلدة ما فيها من طاقات عمالية وشبابية في قلب مدينة يافا القريبة منها، مما ساعد على تطور وتقدم البلدة بسبب قرب المدينة من القرية حيث نزح أبناؤها، وقد ساعد هذا أيضاً على بقاء العلاقة وثيقة بين المهاجرين وذويهم.

 لكن عودة هؤلاء المهاجرين من جديد الى عابود بسبب الحرب، أحدثت الخلل من جديد في التوازن للبلدة، مما جعل الكثير منهم يفكر بالهجرة من جديد. فالرعية الجديدة والتي وصل عدد أعضاءها 500 نسمة، عادت وتراجعت الى 400 نسمة. فالكثير من العائلات استوطنت الأردن وخصوصاً عمان والزرقاء. وتزامنت معها هجرة أخرى الى أمريكا حيث اعتقد المهاجرين أنهم بذلك يفتحون الطريق أمام ذويهم من عابود. ونستطيع أن نفهم من ذلك أن مثل هذه الظاهرة قد تسبب وتؤثر في مسيرة الجماعة المسيحية والبلدة.

 ان خروج الطلاب من المدارس الرعوية الى المدرسة الحكومية أزعجت وأرقت كاهن الرعية. وكان ذلك بسبب تطور المدارس الحكومية بقرار من وزارة التربية والتعليم في الاردن وازدياد عددها. ومساعدة الدول الاجنبية في تدعيم أسس العلم والثقافة والتطور. وقد أثّر هذا التطور على مدارس البطريركية حيث لم تعد البطريركية قادرة على إعطاء أجرة عالية للمعلمين أسوة بالمدارس الحكومية، وعلى تعليم الطلاب مجاناً كما هو الحال في المدارس الحكومية. حتى ضمان استمرار قبول الطلاب في الصفوف الثانوية في المدارس الحكومية لم يكن أسهل من المدارس الخاصة. أمام كل هذه التطورات والهجرة مستمرة من المدارس الخاصة.

  

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.